العيني
87
عمدة القاري
والفاعل والمفعول ، وهو الضمير الذي يرجع إلى شرب اللبن الذي يدل عليه قوله : ( فشربت ) . قوله : ( يا رسول الله ) منادى منصوب . فإن قلت : ما الفاء في قوله : ( فما أولته ) ؟ قلت : زائدة ، كما في قوله تعالى : * ( هذا فليذوقوه ) * ( ص : 57 ) قوله : ( العلم ) بالنصب والرفع روايتان ، أما وجه النصب فعلى المفعولية ، والتقدير : أولته العلم . وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : المؤول به العلم . بيان المعاني : فيه : حذف المفعول من قوله : ( فشربت ) ، للعلم به والتقدير : فشربت اللبن ، يعني : منه ، لأنه شرب حتى روي ثم أعطى فضله لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه . وفيه : استعمال المضارع موضع الماضي ، وهو قوله : ( يخرج ) ، وكان حقه أن يقال : خرج ، ولكنه أراد استحضار صورة الرؤية للسامعين قصداً إلى أن يبصرهم تلك الحالة وقوعاً وحدوثاً . قوله : ( ثم أعطيت فضلي ) أي : ما فضل من اللبن الذي هو في القدح الذي شربت منه . قوله : ( فما أولته ) ؟ أي : فما عبرته ؟ والتأويل في اللغة : تفسير ما يؤول إليه الشيء . وههنا المراد به تعبير الرؤيا . وفيه : تأكيد الكلام بصوغه جملة اسمية ، وتأكيدها بأن واللام في الخبر ، وهو قوله : ( إني لأري الري ) . فإن قلت : لم تكن الصحابة منكرين ولا مترددين في أخباره ، فما فائدة هذه التأكيدات ؟ قلت : قوله : ( أرى الري يخرج في أظفاري ) أورثهم حيرة في خروج اللبن من الأظفار ، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات ، كما في قوله تعالى : * ( وما ابرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) * ( يوسف : 53 ) لأن : ما أبرىء ، أي : ما أزكي ، أورث المخاطب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن السوء مع كونها مطمئنة زكية ، فأزال تلك الحيرة بقوله : * ( إن النفس لأمارة بالسوء ) * ( يوسف : 53 ) في جميع الأشخاص إلاَّ من عصمه الله . قوله : ( العلم ) ، تفسير اللبن بالعلم لكونهما مشتركين في كثرة النفع بهما ، وفي أنهما سببا الصلاح ، فاللبن غذاء الإنسان وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم ، والعلم سبب الصلاح في الدنيا والآخرة وغذاء الأرواح . وقال المهلب : رؤية اللبن في النوم تدل على السنة والفطرة والعلم والقرآن ، لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا ، وبه تقوم حياته كما تقوم بالعلم حياة القلوب ، فهو يناسب العلم من هذه الجهة ، وقد يدل على الحياة لأنها كانت في الصغر ، وقد يدل على الثواب لأنه من نعيم الجنة ، إذ روى نهر من اللبن ، وقد يدل على المال والحلال . قال : وإنما أوله النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم في عمر ، رضي الله عنه ، لصحة فطرته ودينه ، والعلم زيادة في الفطرة . فإن قلت : رؤيا الأنبياء ، عليهم السلام ، حق ، فهل كان هذا الشراب وما يتعلق به واقعاً حقيقة ، أو هو على سبيل التخيل ؟ قلت : واقع حقيقة ولا محذور فيه إذ هو ممكن ، والله على كل شيء قدير . بيان البيان : فيه : الاستعارة الأصلية ، وهي قوله : ( إني لأري الري ) ، لأن الري لا يرى ، ولكنه شبه بالجسم ، وأوقع عليه الفعل ثم أضيف إليه ما هو من خواص الجسم ، وهو كونه مرئيا . ومما يستفاد منه فضيلة عمر ، رضي الله عنه ، وجواز تعبير الرؤيا ، ورعاية المناسبة بين التعبير . وما له التعبير . 23 ( ( باب الفُتْيا وهْوَ واقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وغَيْرها ) ) الكلام فيه على أنواع . الأول : أن الباب مرفوع بأنه خير مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده ، وفيه حذف تقديره : هذا باب في بيان ما يستفتى به الشخص وهو واقف ، أي : والحال أنه واقف على ظهر الدابة أو غيرها . الثاني : أن الفتيا ، بضم الفاء : اسم ، وكذلك الفتوى ، وهو الجواب في الحادثة . يقال : استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني ، وتفاتوا إلى الفقيه : ارتفعوا إليه في الفتيا ، وفي ( المحكم ) : أفتاه في الأمر أبانه له ، والفتى والفتيا والفتوى ما أفتى به الفقيه ، الفتح لأهل المدينة . وقال الشيخ ، قطب الدين : الفتيا اسم ، ثم قال : ولم يجيء من المصادر على : فعلى ، غير الفتيا والرجعي وبقيا ولقيا . قلت : فيه نظران إحدهما : أنه قال أولاً : الفتيا اسم ، ثم قال : مصدر . الثاني : أنه قال : لم يجئ من المصادر على فعلى ، يعني بضم الفاء ، غير هذه الأمثلة الأربعة ، وقد جاء : العذرى بمعنى العذر ، والعسرى بمعنى العسر ، واليسرى بمعنى اليسر ، والعتبى : بمعنى العتاب ، والحسنى بمعنى الإحسان ، والشورى بمعنى المشورة ، والرغبى بمعنى الرغبة ، والنهبى بمعنى الانتهاب ، وزلفى بمعنى التزلف ، وهو التقرب ، والبشرى بمعنى البشارة . قوله : ( على ظهر الدابة ) ، وفي بعض النسخ : على الدابة ، من دب على الأرض يدب دبيباً ، وكل ماش على الأرض دابة ودبيب ، والدابة